المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : خطبتا للحجاج الثقفي وزياد بن أبيه أثنا توليهما العراق


ابن زابن الحبابي
03-11-2010, 10:58 PM
حُكي عن عبد الملك بن عمير أنه قال لما بلغ أمير المؤمنين عبد الملك بن مروان اضطراب أهل العراق جمع أهل بيته وأولي النجدة من جنده وقال :

أيها الناس إن العراق كدر ماؤها وكثر غوغاؤها وأملولح عذبها وعظم خطبها وظهر ضرامها وعسر أخماد نيرانها فهل من ممهد لهم بسيف قاطع وذهن حامع وقلب ذكي وأنف حمي فيخمد نيرانها ويردع غيلانها وينصف مظلومها ويداوي الجرح حتى يندمل فتصفو البلاد وتأمن العباد .

فسكت القوم ولم يتكلم أحد

فقام الحجاج وقال يا أمير المؤمنين أنا للعراق

قال ومن أنت لله أبوك

قال أنا الليث الضمضام والهزبر الهشام أنا الحجاج بن يوسف

قال ومن أين؟

قال من ثقيف كهوف الضيوف ومستعمل السيوف

قال أجلس لا أم لك فلست هناك.!

ثم قال مالي أرى الرؤوس مطرقة والألسن معتقلة فلم يجبه أحد

فقام إليه الحجاج وقال أنا مجندل الفساق ومطفىء نار النفاق

قال ومن أنت؟

قال أنا قاصم الظلمة ومعدن الحكمة الحجاج بن يوسف معدن العفو والعقوبة آفة الكفر والريبة

قال إليك عني وذاك فلست هناك ثم قال من للعراق فسكت القوم

وقام الحجاج وقال أنا للعراق

فقال إذن أظنك صاحبها والظافر بغنائمها وإن لكل شيء يا ابن يوسف آية وعلامة فما آيتك وما علامتك؟



قال العقوبة والعفو والاقتدار والبسط والإزورار والإدناء والإبعاد والجفاء والبر والتأهب والحزم وخوض غمرات الحروب بجنان غير هيوب فمن جادلني قطعته ومن نازعني قصمته ومن خالفني نزعته ومن دنا مني أكرمته ومن طلب الأمان أعطيته ومن سارع إلى الطاعة بجلته فهذه آيتي وعلامتي وما عليك يا أمير المؤمنين أن تبلوني فان كنت للأعناق قطاعاً وللأموال جماعاً وللأرواح نزاعاً ولك في الأشياء نفاعاً وإلا فليستبدل بي أمير المؤمنين فإن الناس كثير ولكن من يقوم بهذا الأمر قليل.!



فقال عبد الملك أنت لها فما الذي تحتاج إليه؟

قال قليل من الجند والمال.!!!

فدعا عبد الملك صاحب جنده فقال هيىء له من الجند شهوته .
وألزمهم طاعته وحذرهم مخالفته ثم دعا الخازن فأمره بمثل ذلك

فخرج الحجاج قاصداً نحو العراق

قال عبد الملك بن عمير فبينما نحن في المسجد الجامع بالكوفة إذا أتانا آتٍ

فقال هذا الحجاج قدم أميراً على العراق فتطاولت الأعناق نحوه وأفرجوا له عن صحن المسجد فإذا نحن به يمشي وعليه عمامة حمراء متلثماً بها ثم صعد المنبر فلم يتكلم كلمةً واحدةً ولا نطق بحرفٍ حتى غص المسجد بأهله وأهل الكوفة يومئذ ذوو حالة حسنة وهيئة جميلة فكان الواحد منهم يدخل المسجد ومعه العشرون والثلاثون من أهل بيته ومواليه وأتباعه عليهم الخز والديباج

قال وكان في المسجد يومئذ عمير بن صابىء التميمي فلما رأى الحجاج على المنبر قال لصاحب له أسبه لكم

قال اكفف حتى نسمع ما يقول:

فأبى ابن صابىء وقال لعن الله بني أمية حيث يولون ويستعملون مثل هذا على العراق وضَيْع الله العراق حيث يكون هذا أميرها فوالله لو دام هذا أميراً كما هو ما كان بشيءٍ والحجاج ساكت ينظر يميناً وشمالاً فلما رأى المسجد قد غص بأهله

قال هل اجتمعتم ؟فلم يزد عليه أحد شيئا.

فقال إني لا أعرف قدر اجتماعكم فهل اجتمعتم

فقال رجل من القوم قد اجتمعنا أصلح الله الأمير فكشف عن لثامه ونهض قائماً فكان أول شيء نطق به أن قال :

والله إني لأرى رؤساً أينعت وقد حان قطافها وإني لصاحبها

واني لأرى الدماء ترقرق بين العمائم واللحى

والله يا أهل العراق إن أمير المؤمنين نثر كنانة بين يديه فعجم عيدانها فوجدني أمرها عوداً وأصلبها مكسراً فرماكم بي لأنكم طالما أثرتم الفتنة واضطجعتم في مراقد الضلال

والله لأنكلن بكم في البلاد

ولأجعلنكم مثلاً في كل واد

ولأضربنكم ضرب غرائب الإبل

وإني يا أهل العراق لا أعد إلا وفيت ولا أعزم إلا أمضيت فإياي وهذه الزرافات والجماعات وقيل وقال وكان ويكون

يا أهل العراق إنما أنتم أهل قرية كانت آمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغداً من كل مكان فكفرت بأنعم الله فأتاها وعيد القرى من ربها

فاستوثقوا واستقيموا واعملوا ولا تميلوا وتابعوا وبايعوا واجتمعوا واستمعوا فليس منى الإهدار والإكثار إنما هو هذا السيف ثم لا ينسلخ الشتاء من الصيف حتى يذل الله لأمير المؤمنين صعبكم ويقيم له أودكم ثم إني وجدت الصدق مع البر

ووجدت البر في الجنة

ووجدت الكذب مع الفجور

ووجدت الفجور في النار

وقد وجهني أمير المؤمنين إليكم وأمرني أن أنفق فيكم وأوجهكم لمحاربة عدوكم مع المهلب ابن أبي صفرة

وإني أقسم بالله لا أجد رجلاً يتخلف بعد أخذ عطائه بثلاثة أيام إلا ضربت عنقه

يا غلام اقرأ كتاب أمير المؤمنين

فقرأ بسم الله الرحمن الرحيم من عبد الله عبد الملك بن مروان إلى من بالكوفة من المسلمين سلام عليكم

فلم يرد أحد شيئاً فقال الحجاج اكفف يا غلام

ثم أقبل على الناس

فقال أيسلم عليكم أمير المؤمنين فلا تردون شيئاً عليه هذا أدبكم الذي تأدبتم به أما والله لأودبنكم أدباً غير هذا الأدب

اقرأ يا غلام فقرأ حتى بلغ قوله سلام عليكم فلم يبق أحد إلا قال وعلى أمير المؤمنين السلام ثم نزل بعدما فرغ من خطبته وقراءته ووضع للناس عطاياهم فجعلوا يأخذونها حتى أتاه شيخ يرعش فقال أيها الأمير إني على الضعف كما ترى ولي ابن هو أقوى مني على الأسفار أفتقبله بديلاً مني

فقال نقبله أيها الشيخ فلما ولى قال له قائل أتدري من هذا أيها الأمير؟ قال لا قال هذا ابن صابىء الذي يقول

( هممت ولم افعل وكدت وليتني ... تركت على عثمان تبكي حلائله )

ولقد دخل هذا الشيخ على عثمان رضي الله عنه وهو مقتول فوطىء في بطنه فكسر ضلعين من أضلاعه

فقال الحجاج ردوه فلما ردوه

قال له الحجاج أنت الفاعل بأمير المؤمنين عثمان ما فعلت يوم قتل الدار إن في قتلك أيها الشيخ اصلاحاً للمسلمين يا سياف اضرب عنقه فضرب عنقه وكان من أمره بعد ذلك ما عرف وسطر

المستطرف [ جزء 1 - صفحة 119 ]

منقول

وقد ولي العراق قادة ومنهم زياد بن أبيه الذي أول ماحكم العراق نقل خطبة حماسية سُميت بالبتراء وذلك لخلوها من المقدمة وإنما انطلق عليهم كالصاعقة وذلك بسب الفتن التي كثرت في العراق في ذلك العصر

قال أبو الحسن المدائني، وغيره؛ ذكر ذلك عن مَسلمة بن محارب، وعن أبي بكر الهُذَليّ قالا: قدم زيادٌ البَصرة والياً لمعاوية بن أبي سفيان، وضمَّ إليه خراسان وسجستان، والفسقُ بالبصرة كثير فاشٍ ظاهر، قالا: فخطب خطبة بتراءَ، لم يَحمَد اللَّه فيها، ولم يصلّ على النبيّ، وقال غيره: بل قال: الحمد للَّه على إفضاله وإحسانه، ونسأله المزيدَ من نِعَمه وإكرامه، اللهُمّ كما زدتنا نِعَماً فألِهمْنا شُكْراً"أما بعد فإنّ الجهالَة الجَهلاء، والضّلالة العمياء، والغَيَّ الموفى بأهله على النار، ما فيه سفهاؤكم ويشتمل عليه حلماؤكم، من الأمور العظام ينْبُتُ فيها الصغير، ولا ينْحاشُ عنها الكبير، كأنّكم لم تقرؤوا كتابَ اللَّه، ولم تسمعوا ما أعَدّ اللَّه مِن الثَّواب الكريم لأهل طاعته، والعذابِ الأليم لأهل معصيته، في الزمن السَّرمَدِ الذي لا يزول، أتكونون كمن طرفت عينَه الدُّنيا، وسَدَّت مسامعَه الشهواتُ، واختار الفانيةَ على الباقية، ولا تذكرون أنّكم أحدثتم في الإسلام الحَدَثَ الذي لم تُسبَقوا إليه: مِن تَركِكم الضعيفَ يُقهر ويؤخذُ مالُه، وهذه المواخير المنصوبة، والضعيفةَ المسلوبةَ في النَّهار المُبْصِر، والعددُ غير قليل، ألم تكن منكُم نُهاةٌ تَمنع الغُواةَ عن دَلَج الليل وغارة النهار؟ قرّبتُم القَرابة، وباعدتم الدِّين، تعتذرون بغير العُذر، وتُغْضُون على المختلس، أليْسَ كلُّ امرئٍ منكم يذُبُّ عن سفِيهه، صُنْعَ مَن لا يخافُ عاقبةً ولا يرجو مَعاداً، ما أنتم بالحلماء، ولقد اتبعتم السُّفهاء، فلم يَزَلْ بكم ما ترون مَن قيامكم دُونَهم حتّى انتهكوا حُرَم الإسلام، ثم أطرقوا وراءكم كُنُوساً في مَكَانِس الرِّيَب، حَرامٌ عليَّ الطّعامُ والشرابُ حتى أسوّيَها بالأرض، هَدْماً وإحراقاً، إنِّي رأيتُ آخِرَ هذا الأمر لا يصلحُ إلاّ بما صَلُح به أوَّلهُ: لينٌ في غير ضَعف، وشدةٌ في غير عُنف، وإنّي أُقسم باللَّه، لآخُذَنَّ الوليَّ بالوليّ، والمقيم بالظَّاعن، والمقبلَ بالمدْبر، والمطيع بالعاصي، والصَّحيحَ منكم في نفسه بالسقيم، حتَّى يَلقَى الرَّجُل منكم أخاه فيقول: انْجُ سعدُ فقد هلك سُعَيْدٌ، أو تستقيمَ لي قناتُكم، إنَّ كِذْبَةَ المِنبر بلقاءُ مَشْهُورةٌ، فإذا تعلَّقتم عليَّ بكِذبةٍ فقد حلّت لكم معصيتي، وإذا سمعتموها مِنّي فاغتمزُوها فيَّ واعلموا أنَّ عندي أمثالَها، من نُقِبَ منكم عَلَيْه فأنا ضامنٌ لما ذهبَ منه، فإيايَ ودَلَجَ اللّيل؛ فإنِّي لا أُوتَى بمُدلج إلا سفكتُ دمَه، وقد أجَّلْتُكم في ذلك بمقدار ما يأتي الخبرُ الكُوفَة ويرجعُ إليكم، وإيايَ ودعْوةَ الجاهليّة؛ فإني لا آخُذ داعياً بها إلا قطعتُ لسانه، وقد أحدْثتم أحداثاً لم تكُن، وقد أحدثْنا لكلِّ ذنبٍ عقوبة: فمَنْ غرَّق قوماً غرَّقناه، ومَن أحرق قوماً أحرقناه، ومن نقبَ بيتاً نقبنا عن قلبه، ومَن نبش قبراً دفنَّاه فيه حَيّاً، فكُفُّوا عَنِّي أيديَكم وألسنَتكم، أكفُفْ عنكم يدي ولساني، ولا تَظْهَرُ على أحدٍ منكم ريبةٌ بخلاف ما عليه عامتكُم إلاّ ضربتُ عنقه، وقد كانت بيني وبين أقوامٍ إحَنٌ فجعَلتُ ذلك دبْرَ أُذْني وتحتَ قَدَمِي، فمَن كان منكم محسناً فليزدد إحساناً، ومن كان منكم مُسيئاً فلينْزِع عن إساءته، إنِّي واللَّه لو علمتُ أنّ أحدكم قد قتله السُّلُّ مِن بٌغضي لم أكشِف له قناعاً، ولم أهْتِكْ له سِتراً، حتى يُبدِيَ له صفحتَه، فإذا فَعَلَ ذلك لم أناظِرْه، فاستأنِفُوا أموركم، وأرْعُوا على أنفسكم، فَربَّ مَسُوء بقدومنا سنسرُّه ومسرورٍ بقدومنا سنسوؤه، أيها الناس، إنّا أصبحنا لكم سادة، وعنكم ذَادةً، نَسُوسُكم بسلطان اللَّه الذي أعطانا، ونذودُ عنكم بفَيء اللَّه الذي خَوَّلَنا، فلنا عليكم السَّمعُ والطاعة فيما أحبَبْنا، ولكم علينا العدل والإنصاف فيما وُلّينا، فاستوجِبُوا عَدْلنا وفَيئَنا بمناصَحتكم لنا، واعلموا أنِّي مهما قصَّرتُ عنه فلن أقصِّر عن ثلاثٍ: لستُ محتجباً عن طالبِ حاجةٍ منكم ولو أتاني طارقاً بلَيل، ولا حابساً عطاءً ولا رزقاً عن إبّانه، ولا مجمِّراً لكم بَعثاً، فادعُوا اللَّه بالصَّلاح لأئمتكم؛ فإنهم ساستكم المؤدِّبون، وكهفُكم الذي إليه تأوُون، ومتى يصلُحوا تَصلُحوا، ولا تُشْرِبوا قلوبَكم بُغْضَهم فيشتدَّ لذلك غيظكم، ويطولَ له حُزنكم، ولا تُدْركوا بهِ حاجتكم، مع أنّه لو استُجيب لكم فيهم لكان شرّاً لكم، أسأل اللَّه أن يُعينَ كُلاًّ على كلٍّ، وإذا رأيتُموني أُنْفِذ فيكم الأمرَ فأَنْفذوه على أذلاله وأيمُ اللَّه إنَّ لي فيكم لَصَرعَى كثيرةً، فليحذر كلُّ امرئٍ منكم أن يكون من صَرْعاي"
________________________
نقلا عن كتاب (البيان و التبيين) للجاحظ..و قرأتها أيضا في( العقد الفريد) و كتاب (الخطابة) للشيخ محمد أبو زهرة(أبو مرفوعة على الحكاية...

ابن سراع القحطاني
03-12-2010, 12:19 AM
جزاك الله خير وكتب اجرك على النقل يابو زابن

تحياتي

حسين الفحوس
03-12-2010, 01:58 AM
جزاك الله خير يابن زابن



القف التحايا:)

(سجينـ الشوقـ)
03-12-2010, 03:11 AM
يعطيك العافيه ولا هنت

تقبل تشطيفي

مشآعل
03-12-2010, 05:31 AM
الكتب اللي ذكرتها رائعه وفيها من الفائده الكثير


اخوي ابن زابن
لاهنت على نقل هالخطب
وجزاك الله خير

أميرة الورد
03-13-2010, 08:29 AM
موضوع روعه
يعطيك العافيه أخوي ابن زابن
مواضيعك مميزه دائما تشر عليها
تقبل مروري

بن مداوي الحبابي
03-13-2010, 10:32 AM
يعطيك العافية على النقل

ابن زابن الحبابي
03-13-2010, 09:05 PM
يشرفني مروركم سدد الله خطاكم

دايم الطيب
03-13-2010, 09:54 PM
يعطيك العافيه على الموضوع الرائع

تحياتي